عبد الشافى محمد عبد اللطيف

90

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

وأموالهم أمرا سهلا . أما وأنّ الهجرة ليست نهاية المتاعب من ناحية قريش - فهي نهاية مرحلة فقط وبداية مرحلة أخرى في الجهاد ضد أعداء اللّه - فإن هذا الكلام لا يمكن أن يكون صحيحا ، وقد رأيت فيما سبق أن مشركي قريش أخذوا يلاحقون المسلمين في مهجرهم ، ويردّونهم إلى مكة ويعذّبونهم ، ويضعونهم في السجون . وهذا أمر لا يمكن السكوت عليه من ناحية المسلمين . وفوق ذلك فإن إخضاع قريش كان أمرا ضروريّا لتنطلق الدعوة الإسلامية انطلاقتها الكبرى إلى النّاس في مشارق الأرض ومغاربها . وتاريخ الدعوة الإسلامية ، وسيرة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم تدلّنا على أن الدعوة الإسلامية لم تنتشر في شبه جزيرة العرب ، ويقبل عليها الناس إلا بعد فتح مكة سنة ثمان من الهجرة ، وإلا بعد أن أذعنت قريش بعد أن أثخنتها الجراح على يد جند الإسلام بقيادة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم عندئذ زالت العقبة الكبرى من أمام الدعوة ، وأقبلت وفود العرب من جميع أرجاء شبه الجزيرة العربية معلنة إسلامها ومبايعتها للرسول صلّى اللّه عليه وسلم ؛ وذلك لأن قريشا كانت ذات مكانة كبيرة بين العرب ، فهم أوسط العرب نسبا ودارا وهم أهل الحرم وقادة العرب . لذلك كان العرب جميعا ينتظرون نهاية موقف قريش من الدعوة الإسلامية حتى يقرروا موقفهم على ضوء هذه النهاية . يقول ابن إسحاق : « وإنما كانت العرب تربّص بإسلامها أمر هذا الحيّ من قريش ؛ لأن قريشا كانوا إمام الناس وهاديتهم وأهل البيت والحرم ، وصريح ولد إسماعيل بن إبراهيم ، وقادة العرب لا ينكرون ذلك . وكانت قريش هي التي نصبت الحرب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وخلافه ، فلما افتتحت مكة ودانت له قريش ، ودوّخها الإسلام ، عرفت العرب أنهم لا طاقة لهم بحرب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ولا عداوته فدخلوا في دين اللّه » « 1 » والذي يتتبّع سير الدعوة الإسلامية منذ ظهورها في مكة حتى وفاة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم يجد مصداق المقولة السابقة ، ويدرك أن قريشا هي العدو الرئيس - حينئذ - للإسلام ففي مكة كانت حركة الدعوة الإسلامية بطيئة للغاية - لا لتقصير من جانب النبي حاشا للّه - ولكن لموقف قريش المعادي للدعوة . فمع إسلام طائفة من الشخصيات البارزة في مكة من مختلف البطون ، مثل أبي بكر وعثمان بن عفان . وعبد الرحمن

--> ( 1 ) انظر ابن كثير البداية والنهاية ( 5 / 45 ) ، والسهيلي - الروض الأنف ( 7 / 377 ) ، وابن الأثير - الكامل في التاريخ ( 2 / 286 ) .